السيد عبد الأعلى السبزواري
58
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وإنّما أدرج إسماعيل في آباء يعقوب للتغليب إذ العم بمنزلة الأب ، وفي الحديث : « عم الرجل صنو أبيه » . وإنما ذكر الآباء اسقاطا لزعم من يزعم أنهم على ملة غير الملة الحنيفية ، وإعلاما بأنهم كانوا يدعون إليها كما يعتقدونها . قوله تعالى : إِلهاً واحِداً . أي : لم نشرك به . وقد اختلفوا في لفظ الإله - كما اختلفوا في صفاته جلّ شأنه وأسمائه ، وتحيروا في حقيقة ذاته تعالى - فمن قائل : انه من اله أي تحير ، لما مر من قول علي ( عليه السلام ) : « كلّ دون صفاته تحبير الصفات وضل هناك تصاريف اللغات » . وفي الحديث : « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في اللّه » . ومن قائل إنّ أصله من وله فأبدل الواو ألفا ، وذلك لكون كل مخلوق والها نحوه إما بالتسخير فقط كالجماد والحيوان ، أو بالتسخير والإرادة معا كبعض النّاس . وعن بعض الفلاسفة « أنّ الإله محبوب كل شيء » . وعن بعض العرفاء « أن الإله مجذوب كل شيء » ، واستشهد الفريقان بقوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ سورة الإسراء ، الآية : 44 ] . ومن قائل إنه من لاه يلوه لولاها أي : احتجب عن الأبصار والعقول . والكل صحيح ، لأن ذاتا لا تدرك حقيقته ، وهو متصف بجميع صفات الجمال والجلال تصح الإشارة اليه بأي جهة من جهات كماله الا إذا نهى الشارع عنها . وعلى أي تقدير يكون جمع إله وتثنيته اعتقاديا بالنسبة إلى المشركين لا واقعيا ، لأن ما انحصر في الفرد واستحال وجود فرد ثان له كيف يصح جمعه ؟ إلّا بالجمع الاعتقادي الادعائي لا الواقعي . واما الواحد فقد استعمل في القرآن غالبا فيه تعالى بالحصر والتأكيد قال تعالى : أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [ سورة إبراهيم ، الآية : 52 ] ، وقال تعالى : فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ سورة الأنبياء ، الآية : 108 ] ، وقال تعالى : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ سورة ص ، الآية : 65 ] ، وقال تعالى : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [ سورة النحل ، الآية : 51 ] وهذا هو